د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

التشابه والاختلاف بين الحريدية اليهودية الشرقية وا

التشابه والاختلاف بين الحريدية اليهودية الشرقية وا

التشابه والاختلاف بين الحريدية اليهودية الشرقية والغربية

د.صالح النعامي

هناك عدة مظاهر تبرز التشابه بين التيار الديني اليهودي الحريدي الشرقي والتيار الحريدي الغربي.

فكلاهما لا يجري انتخابات داخلية لاختيار ممثلي أحزابهما في الانتخابات، حيث للمرجعيات الدينية ممثلة في "مجلس كبار علماء التوراة"  و"مجلس حكماء التوارة"، الحق الحصري في اختيار النواب وتحدد أياً منهم يجب أن يمثل هذه الأحزاب في الحكومة.

 ويعترف النواب و الوزراء الحريديم الشرقيون والغربيون بتواضع علناً إنهم فقط يخدمون مجالس حكماء وعلماء التوراة، ويتلقون توجيهاتهم قبل القيام بأي خطوة أو قرار.

 في الوقت نفسه لا يقبل أي سياسي حريدي من حزب ما توجيهات من مرجعية دينية لحزب آخر. وتبقى النقاشات التي تجريها مجالس الحاخامات سرية وقراراتها غير قابلة للاستئناف، ويتم التعامل معها كإلهام إلهي.

 وإذا توفى أحد أعضاء مجالس علماء التوراة فإن خليفته يعين بواسطة بقية الأعضاء. ولا تملك الأحزاب الحريدية مؤسسات حزبية ، مثل مكتب سياسي أو لجنة تنفيذية.

 وظلت البنية السياسية في الحريدية الشرقية والغربية حكراً على الذكور، ولم يحدث أن تولت النساء أي موقع في الأحزاب الحريدية.

مواطن الاختلاف:

في الوقت الذي تتشدد فيه المرجعيات الحريدية الغربية وتتطرف في التشريع والفتاوى وتطالب أتباعها بالتدقيق في  أداء الفرائض الدينية، فإن الحريدية الشرقية تتبع مبدأ التيسير والتسهيل على اليهود.

ويرى شلومو دويش الباحث المتخصص في الاتجاهات الحريدية أن الطابع التيسيري الذي اتسمت به الحريدية الشرقية يعود بشكل خاص إلى طبيعة الدين في الثقافة الشرقية، حيث إن تدين اليهود الشرقيين يرتكز على ما يمكن تسميته بـ "الدين الشعبي" القائم على الإيمان بالرب والتعبير عن هذا الإيمان بأداء "العبادات" البسيطة مثل الصلاة، التي لا يشترط أداؤها في الكنيس.

وحسب دويش، فأن أحد أهم الطقوس التعبدية لدى الحريدية الشرقية يتمثل في زيارة قبور "الأولياء"، خلافاً للنمط الحريدي الغربي المتشدد في أداء كل الفرائض وفق ما جاءت في النصوص المكتوبة .

من هنا فإن نمط التدين الشرقي يستند إلى نمط تدين يقوم على التقيد بتقاليد دينية محددة وعلى الانتقائية، حيث يختار المتدين الشرقي الالتزام بعبادات محددة ويتجاهل الأخرى.

 وقد كانت فتاوى الحاخامات الشرقيين المتعلقة بالممارسات الدينية والأحوال الشخصية أقل صرامة من تلك التي يصدرها الحاخامات الغربيون.

ويراعي الحاخامات الشرقيون متطلبات الحياة والواقع والظروف المحيطة.

وفيما يتعلق بالموقف من تطبيق تشريعات وفتاوى الحاخامات السابقين المتعلقة بالأحوال الشخصية فإن الحريدية الشرقية تؤكد أنه يتوجب على " فقهاء " الشريعة أن يراعوا الواقع التاريخي وحيثياته والتغييرات التي طرأت منذ نزول التوراة وكتابة التلمود، وبالتالي لا ترى في قيام حاخاماتها بالتجديد؛ وإعطاء تفاسير مبتكرة تناسب الواقع المعاش، مساً بالشريعة والتراث اليهوديين.

وهذا بخلاف الحريدية الغربية التي تحط من قدر الاجتهادات الفقهية و ترفض التفاسير العصرية للشريعة.

وفي الوقت الذي يتسم فيه المجتمع الحريدي الغربي بالانغلاق على ذاته والسعي للانفصال عن المجتمع العلماني واعتبار ذلك قيمة دينية عليا، فإن الحريدية الشرقية تشجع أتباعها على الاختلاط بالمجتمع العلماني.

 فوزراء ونواب حركة "شاس"، يدأبون على الظهور على شاشات التلفزة ويشاركون بفاعلية في الجدل الدائر حول كل القضايا التي على جدول الاهتمام الجماهيري.

يتضح مما تقدم أن التيار الديني اليهودي في إسرائيل يمثل إطاراً فضفاضاً يضم اتجاهات دينية متباينة تتفاوت في مستوى اندماجها في المؤسسات الإسرائيلية ومحاولاتها للتأثير على دائرة صنع القرار فيه بوسائل شتى.

وترتبط أهداف الحركات التي تشكل التيار الديني اليهودية بالسعي للتأثير على صنع القرار بالمسوغات التي انطلقت هذه الحركات من أجلها.

 فمنها من انطلق لدوافع أيدلوجية قومية، مثل: المتدينين القوميين الذين وضعوا نصب أعينهم العمل على تعاظم المشروع الاستيطاني في الأراضي العربية التي احتلت عام 1967

 في حين انطلقت حركة "شاس" لدواع إثنية اجتماعية للدفاع عن حقوق اليهود الشرقيين ومحاولة رفع الغبن الممارس ضدهم.

 أما الحريدية الغربية فقد حرصت بشكل خاص على الحفاظ على طابع إسرائيل كدولة يهودية. وقد حدث تقارب بين مركبات الصهيونية الدينية، حيث باتت تتوحد في الدفاع عن المشروع الاستيطاني وطابع الدولة اليهودي.

لقد استغلت مركبات التيار الديني اليهودي طابع النظام السياسي الإسرائيلي الخاص في محاولاتها مراكمة القوة والنفوذ، فإسرائيل هي  الدولة  الوحيدة في المنظومة الغربية التي تسمح للأحزاب بمشاركة الدولة في تقديم الخدمات للجمهور.

 وهذه السمة التي جهدت الأحزاب الدينية في استنفاد الطاقة الكامنة فيها، فتوسعت في إقامة منظومات تعليمية واجتماعية ودينية خاصة بها لضمان تغلغلها في المجتمع الإسرائيلي وتجنيد المزيد من الأنصار والأتباع لها.

لكن مكونات التيار الديني الصهيوني تتفاوت في درجة اندماجها في المجتمع الإسرائيلي؛ حيث إن بعضها يرى في الاندماج سبيلاً لمراكمة القوة والنفوذ، في حين يرى البعض الآخر أن الاندماج يمثل وصفة للضياع والذوبان.

وعلى صعيد العلاقات بين الحركات والأحزاب التي تشكل التيار الديني الصهيوني يتضح أنها تأثرت بشكل كبير بالخلافات الفقهية بين مرجعياتها الدينية.