د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

أهداف المتدينين اليهود من اختراق للجيش الصهيوني

أهداف المتدينين اليهود من اختراق للجيش الصهيوني

د.صالح النعامي

    تدلل كل المعطيات على أن مرجعيات ونخب التيار الديني الصهيوني في إسرائيل قد قررت اختراق الجيش والمؤسسات الاستخبارية بهدف تمكين هذا التيار من التأثير على مقاليد الأمور في الكيان الصهيوني بشكل جذري. صحيح، أن الخدمة العسكرية في إسرائيل إجبارية وتفرض على كل من بلغ الثامنة عشر، إلا أن الجيش الإسرائيلي لا يفرض على المتجند اختيار الوحدات والألوية التي يتوجب عليه الانضمام إليها، حيث يترك الأمر لرغبة الجندي.                 

وقد بات واضحا أن مرجعيات التيار الديني الصهيوني قد أمرت عناصرها بالالتحاق بالألوية والوحدات القتالية والأجهزة ذات التأثير الكبير على دائرة صنع القرار.

     ويتضح أن حرص الحاخامات على اختراق المتدينين  للهيئات القيادية العليا للجيش جاء ضمن تصور إستراتيجي يهدف إلى زيادة تأثير التيار الديني على عملية صنع القرار، بحيث يضمن في البداية منع الحكومة الإسرائيلية من اتخاذ قرارات سياسية تتناقض مع مواقف التيار الديني ومصالحه، سيما فيما يتعلق بمصير الأراضي المحتلة ومستقبل تسوية الصراع مع العرب، وطابع العلاقة بين الدين والدولة؛ وفي مرحلة لاحقة يمهد هذا الاختراق الواسع الطريق أمام التيار الديني الصهيوني للوصول إلى قيادة الكيان الصهيوني .

لقد أدركت المرجعيات الدينية الصهيونية أن المجتمع الصهيوني ينظر بإجلال كبير للضباط والجنود الذين يخدمون في ألوية الصفوة والكتائب المختارة والوحدات الخاصة، حيث يحظى هؤلاء بهالة واحترام كبيرين. وغالباً ما يتمكن كبار الضباط من ممارسة تأثير سياسي كبير بعد تقاعدهم من الخدمة العسكرية، حيث تتنافس الأحزاب على تطعيم قوائمها الانتخابية بكبار الضباط في الاحتياط. من هنا، فلم يكن من المستهجن أن معظم رؤساء الوزراء وكثيراً من الوزراء والنواب هم من الجنرالات المتقاعدين الذين "تميزوا" خلال حروب إسرائيل ضد الجيوش العربية.

لقد أخذت المرجعيات الدينية اليهودية بعين الاعتبار أنه كلما احتل الضباط المتدينون، المتأثرين بمصادر التفكير الديني اليهودية و"فقه" الحاخامات وتوجيهاتهم، مناصب عليا في الجيش كلما كان بالإمكان مضاعفة التأثير على دائرة صنع القرار في تل أبيب من خلالهم، بحيث يكون من المستحيل تمرير قرار يتجاوز الخطوط الحمراء التي يحددها التيار الديني.

وقد فطنت المرجعيات الروحية للتيار الديني الصهيوني إلى حجم التأثير الذي يتمتع به الجيش في عملية صنع القرار السياسي، بسبب الطابع الخاص للبيئة الأمنية التي نشأت فيها إسرائيل، ووجودها في حال حرب متواصلة مع العالم العربي؛ فقررت الاستثمار في تكثيف عمليات اختراق الجيش والمؤسسة الأمنية.

 وتعي المرجعيات الدينية اليهودية أن كلاً من المستوى السياسي المنتخب والرأي العام الإسرائيلي يوليان أهمية قصوى لتقديرات المستوى العسكري، التي تقدم على أنها تقديرات مهنية لا تحركها الاعتبارات السياسية والأيدلوجية.

فعلى الرغم من أن النظم الديموقراطية توجب على المؤسسة الأمنية تطبيق تعليمات الحكومات المنتخبة، فإن الواقع دلل على أن المستوى العسكري في إسرائيل نجح في كثير من المرات في جر المستوى السياسي إلى خطوات عسكرية وسياسية تحت وطأة تأثيره الطاغي؛ لدرجة أن راجت مقولة " إسرائيل هي دولة يملكها جيش " .

فلا خلاف على أن قيادة الجيش هي التي أملت على حكومة ليفي أشكول عام 1967 الخروج للحرب ضد كل من مصر وسوريا؛ ولم يعد سراً أن معارضة قيادة الجيش قد أحبطت توجه الحكومة الإسرائيلية عام 1997 للانسحاب من جنوب لبنان؛ كما أنها أحبطت توجه حكومة إيهود براك عام 1999 للتوصل لتسوية سياسية مع سوريا، عندما قامت بعض المستويات في الجيش بتسريب وثيقة سرية لقيادة المعارضة اليمينية تدلل على أن براك أبدى استعداده لتقديم تنازلات كبيرة لسوريا مقابل التوصل لسلام شامل مع دمشق، وهو ما دفع براك في النهاية للتراجع عن تعهداته للسوريين .

وعندما تفجرت انتفاضة الأقصى أصدرت الحكومة الإسرائيلية تعليمات مباشرة لقيادة الجيش بإبداء أقصى درجات ضبط النفس في مواجهة المتظاهرين بهدف تقصير أمد الانتفاضة ما أمكن، لكن قيادة الجيش عملياً أصدرت تعليمات مغايرة وحثت على قتل أكبر عدد من المتظاهرين الفلسطينيين؛ لدرجة أن نائب وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه الجنرال إفرايم سنيه بعث برسالة مؤثرة لإيهود براك شدد فيها على ضرورة اتخاذ خطوات ضد قيادة الجيش لأنها تتجاهل تعليماته .

ونظراً لإدراك القيادات الروحية للتيار الديني للتأثير الهائل للنخبة العسكرية على دائرة صنع القرار؛ فقد وجهت أتباعها للانخراط في الألوية المختارة والوحدات الخاصة.

  وقد عبر الحاخام إيلي سدان، الذي يعد من قادة الصهيونية الدينية، وصاحب فكرة تأسيس المدارس الدينية العسكرية التي تعمل على تهيئة الشباب المتدين للخدمة العسكرية، عن هذا التوجه بشكل صريح، حيث قال:" يتوجب علينا عدم الانفصال عن الدولة، بل نحن مطالبون بالوصول إلى كل الأجهزة، الجيش والمخابرات، والجهاز القضائي، حتى نتمكن من تصميم الدولة بشكل مثالي وفق منهجنا" .

وتكتسب شهادة الحاخام سدان أهمية خاصة، حيث أن المدرسة الدينية التمهيدية التي أقامها في مستوطنة "عيلي" الواقعة بالقرب من مدينة رام الله الفلسطينية المحتلة، قد خرجت عددا كبيرا من كبار القادة العسكريين والأمنيين. ويعد سدان ليس فقط من قادة الصهيونية الدينية، بل أنه الأكثر ارتباطا بالجيش والمؤسسة الأمنية، ويتم التشاور معه في كثير من القضايا.

من هنا، لم يتورع الحاخام إبراهيم شابير، الذي تزعم التيار الديني الصهيوني حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، عن إصدار فتوى في أوساط الثمانينيات تعتبر "التجند في الوحدات المقاتلة قُربى للرب" وأن "الخدمة العسكرية والروح القتالية مهمة جماعية يفرضها الرب بهدف قيادة المشروع الصهيوني" .

ويرى البرفسور يجيل ليفي، الباحث في مجال العلاقة بين المتدينين والدولة في إسرائيل أن حرص التيار الديني الصهيوني على اختراق الجيش يلبي "فهما فقهيا وقناعات دينية متجذرة" لدى مرجعيات هذا التيار، حيث أنها تعتقد أن استيطان "أرض إسرائيل كلها فريضة شرعية وأنه بالتالي يتوجب على التيار الديني إحكام السيطرة على الجيش من أجل تمكين اليهود من أداء هذه الفريضة" .

وهناك الكثيرون في إسرائيل يجزمون بأن اندفاع المتدينين صوب المواقع القيادية في الجيش يأتي ضمن مخطط أوسع للسيطرة على الدولة. ولقد عبر عن ذلك بشكل واضح وصريح، ران أيدليست، أحد أبرز المعلقين العسكريين، حيث قال :

"لمؤسساتهم قوة احتمال عدو المسافات الطويلة، أنهم يؤمنون بالبقاء الأبدي للأمة اليهودية، وفي هذا الإطار أعدوا أربعة طرق من أجل معركة أرض إسرائيل: المستوطنات، والدعم المالي والتعليم وترقية رجالهم في الجيش لينالوا السيطرة على هيئة الأركان في المستقبل. هذه ليست مؤامرة، بل تقدير هادئ لوضع قومي في نضالهم من أجل صورة مستقبلية للمجتمع الإسرائيلي، واستغلال معقد لحكومة انتهازية، تجعلهم قادرين على الحصول على الموازنات، إنها ليست قضية حسن وسئ، إنه نضال حول شخصية دولة إسرائيل. اليمين الديني يستخدم الطريقة القانونية في غزو السلطة من أجل تمكين نفسه من إقامة دولة إسرائيل في الحدود التي وعد الرب بها، وهو لم يتمكن من تحقيق هدفه عبر العمل الحزبي والمواقف الأيدلوجية، لذا فقد أرادوا أن يكون لهم ممثلون في كل موقع تتخذ فيه القرارات الهامة وفي الجيش بشكل عام، وفي هيئة أركان الجيش بشكل خاص".

     إن أكثر ما يدلل على أن الهدف من اختراق المتدينين للجيش هو تحقيق أكبر قدر من التأثير على قرارات الدولة في المستقبل هو نتائج الاجتماع الذي عقدته مرجعيات التيار الديني الصهيوني وكبار حاخاماتها ونخبها السياسية عشية تنفيذ خطة "فك الارتباط"، والتي شملت إخلاء المستوطنات اليهودية من قطاع غزة وسحب الجيش الإسرائيلي من هناك، وذلك في أيلول 2005، وذلك للتباحث حول الموقف والسلوك الذي يتوجب أن يتبناه الضباط والجنود الذين ينتمون للتيار الديني الصهيوني عند إخلاء المستوطنات. وقد كان لافتا أن الحاخام إلياهو مدار، الذي يعد من أهم مرجعيات التيار الديني الصهيوني، قد حذر زملاءه الحاخامات من الطلب من الضباط والجنود المتدينين مقاومة إخلاء المستوطنات في قطاع غزة، على اعتبار أن مثل هذا السلوك سينبه المستوى السياسي والنخب العلمانية في إسرائيل إلى "خطورة" اختراق المتدينين للجيش والمؤسسة الأمنية، وبالتالي يتم حرمان التيار الديني من التأثير في المستقبل . وقد أوصى الحاخام مدار بأن يطلب من الجيش فقط إعفاء الضباط والجنود المتدينين من مهمة المشاركة في الإخلاء مراعاة لمشاعرهم.

 وقد كان من الواضح أن اقتراح الحاخام مدار، الذي قبل من قبل زملائه، جاء من أجل منح التيار الديني الصهيوني ومرجعايته الوقت الكاف لاستكمال اختراق الجيش لمراكمة التأثير داخل المؤسسات الأمنية، وتوظيف هذا التأثير في الوقت المناسب .

 بكلمات أخرى، فأن الحاخام مدار يطالب زملاءه بعدم لفت الأنظار إلى "مخاطر" تغلغل المتدينين للجيش قبل أن يصبح هذا التغلغل من السعة والعمق بحيث يحقق للتيار الديني النفوذ الكاف لإملاء مواقفه على "الدولة" والمجتمع.