د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

"السلام الإبراهيمي": بين دلالات المصطلح

quotالسلام الإبراهيميquot بين دلالات المصطلح
مقالات / 2020-10-04

د.صالح النعامي

يندرج حرص إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نعت اتفاقات التطبيع بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين، والاتفاقات التي تبشر بإنجازها في القريب العاجل بـ "السلام الإبراهيمي" في إطار إستراتيجية واضحة وخطيرة تهدف إلى محاولة فبركة رواية جديدة للصراع واختلاق سردية له تقوم على إعادة تموضع "العدو" و"الحليف" في شبكة العلاقات التي تحكم العلاقات الإقليمية في المنطقة.

ويرمي مصطلح "السلام الإبراهيمي" إلى عرض العلاقة بين العالم العربي وإسرائيل، دون أي رابط بتاريخ الصراع بين العرب والصهاينة، وتقديمها على أنها علاقة بين الأديان الثلاثة التي تمثل رسالة إبراهيم، عليه السلام، مشكاتها الأساسية، دون أن تتأثر هذه العلاقة بالظروف والتطورات التي قادت إلى ولادة الكيان الصهيوني على هذه الأرض.

للأسف لم يعد ترديد هذا المصطلح حكرا على المسؤولين الأمريكيين، بل أن إعلاميين وكتاب "الرأي" في صحف نظم الحكم التي وقعت على اتفاقات تطبيع باتوا يرددون المصطلح، لدرجة أن أحد علماء السلطان، من المحسوبين على أحد الأنظمة غرد بشطر الآية: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة..." وأرفق مع التغريدة صور للقرآن والإنجيل، والتوراة.

على أساس هذا المنطق، يصبح الكيان الصهيوني رديفا لـ "اليهودية"، التي يتوجب على العرب: مسلمون ومسيحيون، احترامها كسائر الأديان، دون الالتفات إلى الظروف التي قادت إلى تشكل هذا الكيان الذي قام إثر مجازر ارتكبت ضد الشعب العربي الفلسطيني وطرده من أرضه، وألا تتأثر مواقف الدول العربية من السياسات الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني وأرضه.

"السلام الإبراهيمي" يضفي صدقية على الرواية الصهيونية بشكل واضح؛  عبر تغليب الأبعاد الدينية التعبدية على المركبات السياسية للصراع. فعلى سبيل المثال، وفقد هذا المنطق يتم  اختزال قضية القدس في الجانب الديني، عبر الترويج لفكرة حق أصحاب الديانات الثلاثة في الصلاة في الأماكن المقدسة التي تحتويها، دون الالتفات إلى الجذور السياسية لهذه القضية وتجاهل حقيقة أن هذه المدينة احتل الكيان الصهيوني قسمها الغربي في 1948 وأكمل احتلالها في 1967. أي أنه وفق "السلام الإبراهيمي" يكرس عمليا مكانة القدس بوصفها "عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية"، مع السماح للمسلمين والمسيحيين  بأداء الطقوس الدينية فيها.

ومن نافلة القول، إنه بالاستناد غلى هذا المنطق، فأنه ليس بوسع الدول العربية تصميم علاقتها بإسرائيل استنادا إلى سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني، أرضه وقضيته.

قبول السردية، التي يكرسها "السلام الإبراهيمي" يتطلب تجاوز السياق التاريخي للعلاقة بين الكيان الصهيوني والعالم العربي، التي قامت على الصراع، حيث أن الصهاينة لم يحتلوا فقط فلسطين، بل احتلوا أراض مصرية، لبنانية، سورية، وأردنية.

قبول "السلام الإبراهيمي" يعني يتجاهل المنطلقات التي تحكم إستراتيجية الكيان الصهيوني الحالية تجاه العالم العربي، وضمنه الدول التي وقعت على اتفاقات التطبيع.

فإسرائيل تتعاطى عمليا مع جميع الدول العربية كعدو، وهذا ما يفسر اعتراضها على حصول الامارات على طائرات إف 35

وإلا كيف يمكن تفسير الضجة التي حدثت في إسرائيل في أعقاب الحديث الأمريكي عن إمكانية تزويد الإمارات بطائرات "إف 35" المتطورة، واحتجاجها على حصول مصر على غواصة متطورة من ألمانيا، على الرغم من الكيان الصهيوني يرتبط بعلاقات إستراتيجية وعسكرية مع كل من مصر والإمارات.

المشكلة أن "السلام الإبراهيمي" لن يضمن تحقيق السلام والأمان للدول التي وقعت عليه، بل سيمثل مصدر تهديد لها. فالأمريكيون والصهاينة يتحدثون صراحة عن عزمهم على توظيف اتفاقات التطبيع في استخدام مقدرات الدول المطبعة في استهداف قوى إقليمية في حالة عداء أو تنافس مع إسرائيل.

ففقد عبر كل من رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو صراحة عن رهانهما في ان يسهم الاتفاق مع الإمارات في زيادة فاعلية المواجهة ضد إيران.

فالمقربون من نتنياهو يتحدثون صراحة عن أن الاتفاق مع الإمارات سيحولها إلى قاعدة متقدمة ضد إيران. ناهيك عن أن الصهاينة يتحدثون عن توظيف هذه الاتفاقات في استهداف مصالح تركيا وتشديد الخناق على الحركات الإسلامية وضمنها الحركات المحسوبة على المقاومة الفلسطينية.

وهذا يعني أن "السلام الإبراهيمي" يمثل وصفة لتوريط الدول العربية المطبعة في مواجهة ضد قوى مهمة ومتجذرة في المنطقة؛ مع العلم أن إسرائيل ستتخلى عن هذه الدول؛ تماما كما تخلت عن شاه إيران، وأكراد العراق وموارنة لبنان