د.صالح النعامي
باحث في الشأن الإسرائيلي
فيسبوك

التقنييات المتقدمة في الجهد الحربي الإسرائيلي

التقنييات المتقدمة في الجهد الحربي الإسرائيلي
دراسات / 2020-11-21

توظيف التقنييات المتقدمة في الجهد الحربي الإسرائيلي

د.صالح النعامي

حدثت طفرة كبيرة على أنماط وصور توظيف إسرائيل التقنيات المتقدمة في جهدها الحرب والأمني والاستخباري ضد محيطها الفلسطيني والعربي والإسلامي. وبعد إن كانت تتم موائمة عملية انتاج التقنيات المتقدمة ذات الاستخدام العسكري لمتطلبات العقيدة القتالية، فإن الجيش الإسرائيلي أصبح يوائم عقيدته القتالية لتطورات على صعيد انتاج التقنيات المتقدمة. في هذه الورقة سيعالج الباحث، جملة العوامل التي حدت بإسرائيل استثمار مخصصات هائلة في مجال تطوير التقنيات المتقدمة ذات الاستخدام العسكري؛ سيما الطائرات غير المأهولة، وتوظيف الفضاء الإلكتروني، وإنتاج منظومات سلاح تجمع بين دقة الإصابة وقوة تدميرية كبيرة.

محفزات تطوير وتوظيف التقنيات المتقدمة في الجهد الحربي

    هناك عدد من العوامل التي دفعت إسرائيل للاستثمار في مجال تطوير التقنيات المتقدمة وتوظيفها في الجهد الحربي، وجميع هذه العوامل تعود بشكل خاص إلى طابع الظروف التي اكتنفت نشوء هذا الكيان الغاصب. وسنعرض هنا لثلاثة من أهم هذه العوامل:

أولاً: العقيدة الأمنية

    بلور رئيس وزراء إسرائيل الأول دفيد بن غوريون مبادئ العقيدة الأمنية الإسرائيلية في الفترة الفاصلة بين حربي عام 1948 و1956. وعلى الرغم من إن عقوداً فصلت بين بلورة هذه العقيدة والطفرة الهائلة في مجال انتاج وتوظيف التقنيات المتقدمة ذات الاستخدام العسكري، إلا إنه يمكن الاستنتاج بسهولة إن الالتزام بمبادئ هذه العقيدة كان الدافع الرئيس وراء توجه دوائر صنع القرار في إسرائيل لتخصيص استثمارات هائلة في مجال تطوير التقنيات المتقدمة وتوظيفها. ومن خلال عرض بعض مبادئ العقيدة الأمنية الإسرائيلية يتضح طابع الدوافع وراء هذا الاسثمار[1]. فنظراً لإن الثقل الديموغرافي يميل بشكل كبير لصالح العالم العربي، فإن العقيدة الأمنية الإسرائيلية قد دعت إلى تجنيد أكبر قدر من القوة البشرية في الحروب مع العالم العربي، وهذا ما أدى إلى اعتماد 70% من الجهد الحربي الإسرائيلي على قوات الاحتياط وليس القوات النظامية[2]. وقد أدى اعتماد إسرائيل على قوات الاحتياط في جهدها الحربي إلى ولادة مبدأ آخر من مبادئ العقيدة الأمنية، ألا وهو الحرب الخاطفة؛ بمعنى إن اعتماد إسرائيل على الاحتياط يلزمها تقصير أمد أية حرب، لإن إطالة أمد الحرب يعني شل مؤسسات الدولة، التي تعتمد على موظفيها من ضباط وجنود الاحتياط، الذين سيضطرون للتغيب عن أعمالهم كلما طال أمد الحرب، مما يؤدي إلى انهيار مؤسسات الدولة. ولضمان أن تكون الحرب خاطفة وسريعة، فإنه يتوجب توفر شرطين أساسيين، وهما: عنصرة المفاجأة وقوة نيران هائلة،  بهدف لسع وعي الهيئة القيادية لدى " العدو "، لإقناعها بعدم جدوى الرهان على مواصلة الحرب، وهو ما أطلق عليه " الحرب الخاطفة ". ومن الواضح إن تحقيق عنصر المفاجأة يعني الحصول على مصادر استخبارية. ولقد في حكم المؤكد إن جزء كبير من المعلومات الاستخبارية بات يمكن الحصول عليها بواسطة التقنيات المتقدمة، مثل الطائرات بدون طيار وأقمار التجسس، وتوظيف الفضاء الإلكتروني، وغيرها. في الوقت ذاته، فإن التقنيات التقدمة تسهم كثيراً في تضخيم قوة النيران لدى بدء الحرب، وهي التي تبدأ بشكل أساسي تحقيق تفوق نوعي على كل الدول العربية في آن معاً. من هنا، فإن الكيان الصهيوني يولي اهتماماً كبيراً بتطوير أدوات القوة لديه، وعلى رأسها التقنيات المتقدمة ذات الاستخدام العسكري، التي تساعد في تحقيق الحسم، امتثالاً لمبادئ عقيدته الأمنية.

    تنطلق إسرائيل من افتراض مفاده إنه لا يمكنها تحقيق الردع تجاه أعدائها عبر توازن القوى وسد الفجوات، بل على أساس تحقيق تفوق واضح وجلي، يمثل التفوق التقني أحد أهم صوره، من هنا برز دور صناعة التقنيات المتقدمة العسكرية كمركب أساس لتحقيق التفوق النوعي وإرساء الردع[3]. لقد قامت العقيدة القتالية الإسرائيلية على ثلاثة مقومات رئيسة، وهي: الردع والإنذار والحسم[4]. ومن الواضح إن الوفاء بهذه المتطلبات يفرض الاستثمار في مجال التقنيات المتقدمة للأغراض الحربية. ويفترض الإسرائيليون إن إدراك المحيط العربي حجم التفوق الصهيوني في مجال التقنيات المتقدمة يمثل أحد مقومات الردع الذي يحول دون توجه العرب للتحرش بإسرائيل. وفي حال لم تنجح مركبات القوة العسكرية في ضمان عامل الردع، واتجه طرف عربي أو أكثر للإعداد للمواجهة مع إسرائيل، فإن التقنيات المتقدمة ذات التوظيف الاستخباري تمكن الكيان الصهيوني من الحصول على تصور مسبق عن نوايا العدو، وهو ما يوفر عامل الإنذار، الذي يجعل إسرائيل تستعد للمواجهة بشكل أفضل. وفي حال أخفقت مركبات القوة العسكرية في توفير الردع والإنذار، وشن طرف عربي ما هجوماً على إسرائيل، فإن العقيدة الأمنية تفترض إن تسمح مركبات القوة العسكرية بحسم المواجهة بسرعة عبر إلحاق هزيمة بالطرف المهاجم. من هنا، فقد عمدت إسرائيل على إلى زرع التقنيات الأكثر تطوراً في منظومات أسلحتها لتحقيق هذا الغرض[5].

متطلبات حرب الظلال

حرصت إسرائيل منذ الإعلان عنها عام 1948 وحتى الآن، على القيام بعمليات عسكرية واستخبارية لا تترك أثراً يدلل بشكل واضح على مسؤولية الكيان الصهيوني عنها، وذلك حتى لا تتحمل أعباء سياسية جراء ذلك، سيما إنه في كثير من الأحيان تتم هذه العمليات على أراض دول لا توجد في حالة عداء مع إسرائيل. وقد أشارت النخب العسكرية إلى هذا النوع من العمليات بـ " حرب الظلال "، أو " العمليات بدون توقيع "[6]. ويندرج تحت هذا النوع من العمليات الهجمات الإلكترونية التي استهدفت المنشآت النووية الإيراني عامي 2009 و2012 عبر استخدام فيروس "stuxnet" و"flame". في الوقت ذاته،فأن الفضاء الإلكتروني يسهم في توفير المعلومات الاستخبارية اللازمة لتنفيذ العمليات سرية،مثل عمليات الاغتيال التي ينفذها جهاز المخابرات للمهام الخارجية " الموساد " ووحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، سيما " سييرت متكال "، ضد قادة ونشطاء المقاومة الفلسطينية ومسؤولين وعلماء عرب. وعادة ما تشير أصابع الاتهام إلى إسرائيل في تنفيذ هذه العمليات دون أن يتمكن أحد من تقديم أدلة مادية دامغة تدين إسرائيل بارتكابها، هذه الأفعال. ويسهم توظيف الفضاء الإلكتروني في تمكين إسرائيل من القيام بعمليات التجسس داخل دول عدو أو صديقة تهدف إلى بناء قدرات استخبارية يرتكز عليها صناع القرار السياسي في اتخاذ القرارات الحاسمة. ومن المؤكد أن أحد أهم الأسباب التي تدفع إسرائيل للاعتماد على الفضاء الإلكتروني إما في تنفيذ عمليات هجومية، أو توفير معلومات استخبارية لازمة لتنفيذها يرجع بشكل أساس إلى أن الفضاء الإلكتروني يسهم في عدم تقديم أدلة على مسؤولية إسرائيل عنها،وهذا ما يطلق عليه في إسرائيل بـ "حرب الظلال".

ضمان استقلال القرار السياسي

    إن أحد أهم المسوغات التي دفعت دوائر صنع القرار في إسرائيل لتوظيف الفضاء الإلكتروني والتقنيات المتقدمة ذات الاستخدام العسكري يرجع بشكل خاص إلى رغبة النخب الحاكمة في تل أبيب في ضمان حرية اتخاذ القرار السياسي. تفرض العقيدة الأمنية الإسرائيلية بشكل واضح وجلي الحرص على  تطوير قدرات تقني يمكن توظيفها لتحقيق أهداف إستراتيجية اعتماداً على الجهد الذاتي،وتقليص حدود الاعتماد على الخارج في ذلك،حتى لا يكون لدى القيادة السياسية في تل أبيب القدرة على اتخاذ أي قرار بشأن استخدام هذا السلاح وتلك القدرات دون أن تكون ملزمة بالشروط التي تفرضه الدول التي تزود التقنيات والسلاح[7].

من هنا، فإن تطوير التقنيات المتقدمة،وضمن ذلك الخبرات في مجال توظيف الفضاء الإلكتروني، بالنسبة لإسرائيل يجب ألا يخضع لاعتبارات اقتصادية، مثل: تحقيق الربح وتوفير مصادر للعملة الصعبة، بل بشكل أساسي لاعتبارات إستراتيجية. ويشير يعكوف ليشبيش، المستشار الاقتصادي لوزارة الدفاع ومدير عام وزارة المالية الإسرائيلية الأسبق إلى ثلاثة مظاهر تعزز استقلال القرار السياسي، وتحرر دوائر صنع القرار من الضغوط الخارجية، عبر الاعتماد على الذات في تطوير التقنيات المتقدمة في المجال العسكري:[8]

أولاً: تجاوز أية إمكانية لفرض حظر سلاح على إسرائيل، كرد على أي سلوك عسكري أو سياسي تقدم عليه إسرائيل،وضمن ذلك منع وصول الخبرات الأجنبية في مجال الفضاء الإلكتروني.

ثانياً: على الرغم من إن الولايات المتحدة تلتزم بتفوق إسرائيل النوعي عسكرياً، إلا إنها تضع شروطاً على استخدام التقنيات والسلاح الذي تزود به الكيان الصهيون. وعلى الرغم من إن إسرائيل تظل تعتمد في كثير من جهدها الحرب على منظومات السلاح الأمريكي، إلا إنها تحاول دائماً تقليص اعتمادها على واشنطن في مجال التقنيات المتقدمة، حتى تضمن تحقيق أكبر قدر من الاستقلال السياسي. ليس هذا فحسب، بل إن إسرائيل توظف تطويرها للاستخدام الحربي للفضاء الإلكتروني واستحداثها منظومات تقنيات متقدمة من أجل تعزيز مكانتها لدى الولايات المتحدة من خلال مبادرتها بتزويد أمريكا بهذه التقنيات، وذلك من أجل إقامة علاقة على أساس الندية والشراكة وليس التبعية، بما يضمن تحقيق أكبر قدر من هامش المناورة على الصعيد السياسي.

 الارتباط بين الفضاء الإلكتروني والتقدم في مجال التقنيات المتقدمة

     من والواضح أن أحد أهم الأسباب التي أسهمت في نجاح إسرائيل في توظيف الفضاء الإلكتروني يتمثل في التطور التقني الذي حققته،سيما على صعيد صناعة التقنيات المتقدمة،حيث التقنيات المتقدمة وفرت في الواقع الوسط المادي،الذي يعتبر أحد مركبات الفضاء الإلكتروني. إن الاستثمار في مجال بناء القاعدة العلمية التي اعتمدت عليها صناعة التقنيات المتقدمة،لعبت دوراً رئيساً بعد ذلك في تطوير قدرات إسرائيل على توظيف الفضاء الإلكتروني.

 ونظراً لما تمليه العقيدة الأمنية،فقد كان التركيز على تطوير الصناعات العسكرية،حيث شرع الصهاينة في تطوير هذه الصناعات في عشرينيات القرن الماضي.     وقبل أكثر من عقدين من الإعلان عن تأسيس الكيان الصهيوني، شرعت العصابات الصهيونية في تدشين بنى صناعية عسكرية في قلب المستوطنات التي أنشأتها في ربوع فلسطين. وفي عام 1933، تم تأسيس مجمع الصناعات العسكرية، الذي اعتمدت عليه الحركة الصهيونية في تزويد عصاباتها ببعض السلاح الذي استخدم في حرب عام 1948، سيما القذائف والراجمات والقنابل بأنواعها المختلفة[9]. ولازال " مجمع الصناعات العسكرية " المعروف بـ "تعس"، يسهم في انتاج الكثير من منظومات السلاح التي تعتمد على التقنيات المتقدمة الأكثر تطوراً، مثل الطائرات غير المأهولة.

    ولقد جاءت أهم خطوة اتخذتها إسرائيل على صعيد بناء قاعدة لصناعة التقنيات المتقدمة في المجال العسكري في العام 1952، عندما تم تأسيس " سلاح العلم "، كأحد فروع الجيش، والذي تخصص في إجراء الأبحاث الهادفة لتطوير منظومات السلاح؛ وفي العالم 1955 تحول هذا السلاح إلى إطار مدني ضمن وزارة الحرب، وأطلق عليه " شعبة البحث والتطوير "، ثم ما لبث إن تحول إلى مؤسسة حكومية مستقلة بذاتها، وأطلق عليه " سلطة تطوير الوسائل القتالية "، المعروفة بـ " رفائيل "، التي تضطلع حالياً بدور رئيس في إجراء الأبحاث الهادفة إلى تطوير المنظومات القتالية، ومن ثم انتاجها[10]. وفي العام 1966 دشنت إسرائيل " مجمع  الصناعات الجوية "،  والمختص بتطوير أسلحة ومنظومات تقنية لتعزيز سلاح الجو. وإلى جانب شركات تطوير وانتاج منظومات السلاح الحكومية، برزت شركات القطاع الخاص كشريك رئيس في تطوير منظومات السلاح المعتمدة على أحدث التطبيقات في مجال التقنيات المتقدمة. وعلى رأس هذه الشركات شركة " تاديران " المتخصصة في انتاج منظومات الاتصال والتحكم العسكرية، وشركة " إلبيت معرخوت "، التي تنتج – ضمن أمور أخرى – طائرات بدون طيار.

    وقد اتجهت الشركات الإسرائيلية في مجال انتاج التقنيات المتقدمة ذات التوظيف العسكري إلى تدشين فروع لها في جميع أنحاء العالم؛ فأقامت فروع في الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، حيث تم تسجيل هذه الفروع على أساس إنها شركات محلية في البلدان التي دشنت فيها عبر إقامة شراكات مع رجال أعمال هناك، وذلك للإفادة من المزايا الناجمة عن ذلك[11].

ويمكن أن نوجز أسس العلاقة بين تطور صناعة التقنيات المتقدمة والطفرة التي حدثت على صعيد توظيف الفضاء الإلكتروني،على النحو التالي:

أولاً:توسيع حجم المركب المادي في الفضاء الإلكتروني،حيث أفضى التطور التقني إلى إحداث تطورات كبيرة على انتاج المنظومات المحوسبة وجعلها أكثر دقة وأوسع توظيفاً.

ثانياً: أفضى الاستثمار في مجال بناء المعرفة اللازمة لتطوير الصناعات التقنية إلى تطوير الجانب المعرفي المتعلق بتوظيف الفضاء الإلكتروني،بسبب الارتباط بين المجالين. إن كثير من الأبحاث والدراسات التي هدفت إلى تطوير صناعة التقنيات المتقدمة،أسهمت أيضاً في تطوير الاستخدمات العسكرية للفضاء الإلكتروني.

ثالثاً: فاقم تطور الصناعات التقنية من خطورة الفضاء الإلكتروني بالنسبة لإسرائيل،حيث أن كل ما تنتجه صناعات التقنية في إسرائيل يكون مرتبطاً بالفضاء الإلكتروني،مما يجعله عرضة لهجمات إلكترونية، قد تفضي إلى إلحاق أذى كبير به. وهذا ما فرض تحدياً آخر يتمثل في ضرورة توفير منظومات حماية عن الفضاء الإلكتروني،وذلك لحماية التقنيات المتقدمة المرتبطة به،وضمن ذلك،تلك المسؤولة عن إدارة وتشغيل المرافق الحيوية والبنى التحتية الحساسة،أو تلك التي تشكل جزءاً من منظومات التحكم والمراقبة.

محددات صناعة التقنيات المتقدمة العسكرية في إسرائيل

يرى الباحثان في الشؤون الإستراتيجية أوشير تيشلير، ويوعاد سافي إن هناك عدة محددات تحكم تطوير السلاح والمنظومات التقنية لدى إسرائيل، وهي:[12]

1- تلبية الإحتياجات الميدانية للجيش.

2- انتاج منظومات سلاح جديدة تأخذ بعين العبر التي استخلصها الجيش الإسرائيلي من الحروب والحملات العسكرية التي يخوضها.

3- تصميم منظومات قتالية تضمن تنفيذ العمليات الخاصة في ظل أكبر قدر من السرية من أجل تحقيق عنصر المفاجأة. ومما لا شك فيه إن الطائرات غير المأهولة تلعب الدور الأبرز في تمكين إسرائيل من تحقيق هذا الهدف.

4- الوفاء بالمتطلبات التي تسمح بإدخال تعديلات على العقيدة القتالية، ومعالجة تحديات جديدة[13].

التقنيات العسكرية كوسط مادي للفضاء الإلكتروني الإسرائيلي

    إن جميع مركبات التقنيات المتقدمة التي توظف في الجهد الحربي الإسرائيلي تعتبر في الواقع جزءاً لا يتجزأ من الوسط المادي في الفضاء الإلكتروني. ومعظم ما تنتجه إسرائيل من تقنيات متقدمة يمكن استغلاله في توظيف الفضاء الإلكتروني.ويكاد من المستحيل الإحاطة بما تنتجه إسرائيل من تقنيات متقدمة لأغراض عسكرية، على اعتبار إن تطوير وانتاج واستخدام الكثير من هذه التقنيات يتم في إطار كثيف من السرية، وذلك لضمان تحقيق أكبر قدر من عنصر المفاجأة لدى العدو ولتقليص قدرته على اتخاذ الاحتياطات اللازمة[14]. وفي كثير من الإحيان يتم الكشف عن بعض هذه التقنيات جراء تسريبات في وسائل الإعلام الأجنبية أو لدى اكتشافها بالصدفة، مع العلم إنه قد مضت سنين كثيرة على استخدام بعض هذه التقنيات دون أن يتم تحديد كنهها حتى الآن. وهنا يتوجب الإشارة إلى أهم مركبات التقنية العسكرية التي تؤثر في الفضاء الإلكتروني، وهي: طائرات المهام الخاصة، سواء الطائرات غير المأهولة والطائرات المأهولة، الفضاء.

طائرات المهام المتعددة

    عند الحديث عن طائرات المهام المتعددة، فإنه سرعان ما يتبادر للذهن الطائرات غير المأهولة، على اعتبار إن إسرائيل اكتسبت شهرة عالمية في تطوير وانتاج وتوظيف هذا النوع من الطائرات. لكن تبين إن الجهد الاستخباري الإسرائيلي يعتمد بشكل كبير على نوع من الطائرات المأهولة غير القتالية، المخصصة لجمع المعلومات الاستخبارية والإسهام بفاعلية في الحرب النفسية ضد " العدو "، إلى جانب قيامها بدور رئيس في الحرب الإلكترونية.

الطائرات غير المأهولة

     تعتبر إسرائيل ثاني أكبر منتج لمنظومات الطائرات غير المأهولة بعد الولايات المتحدة، حيث تم انتاج هذه الطائرات ضمن مشاريع مجمع الصناعات الجوية[15]. وقد شرعت إسرائيل في انتاج الطائرات غير المأهولة في النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن الماضي[16].  وقد كانت الصناعات الجوية الإسرائيلية تركز على انتاج الطائرات غير المأهولة لأغراض التجسس وجمع المعلومات الاستخبارية، حيث يطلق على طراز الطائرات غير المأهولة المسؤول عن هذا النوع من الأنشطة " إيتان "، حيث كان يتم انتاج طائرات صغيرة، ثم تطوير هذه الطائرات لتصبح طائرات كبيرة نسبياً، حيث إن طول جناحيها حالياً 26 متراً[17]. وقد تطور توظيف الطائرات غير المأهولة لتصبح جزءاً مهماً من منظومة الوسائل القتالية الهجومية،  سيما في تنفيذ عمليات الاغتيال ضد قادة ونشطاء حركات المقاومة الفلسطينية. وقد تخصصت شركة " إلبيت معرخوت " في انتاج هذا النوع من الطائرات، والذي يطلق عليه " حيتس هكيسف " أي ( سهم الفضة )، في حين يطلق على هذا النوع من الطائرات خارج إسرائيل " هرمس 450 "، حيث تقوم هذه الطائرات بإطلاق صواريخ  جو أرض على أهداف أرضية، بغرض اغتيال هدف أو مجموعة أهداف[18].

    ومنذ مطلع العام2004 ، أي بعد أربعة أعوام على تفجر انتفاضة الأقصى، شرع الجيش الإسرائيلي في توظيف هذه الطائرات في تنفيذ عمليات الاغتيال، حيث أصبح هذا النوع من الطائرات المسؤول بشكل رئيس عن تنفيذ معظم عمليات الاغتيال التي تستهدف قادة ونشطاء المقاومة الفلسطينية.  وتتم عمليات الاغتيال بواسطة الطائرات غير المأهولة نتاج عملية تنسيق ممنهجة بين سلاح الجو " وجهاز المخابرات الداخلية " الشاباك ". فنظراً لإن جهاز " الشاباك " هو المسؤول عن مواجهة المقاومة الفلسطينية، فهو يوفر المعلومات الاستخبارية عن تحركات القادة والنشطاء المرشحين للاغتيال، ويطلب من سلاح الجو أن تقوم طائرة " حيتس هكيسف " بالتحليق فوق المنطقة التي يفترض أن يتحرك فيها الهدف، حيث تقوم الطائرة ببث صور مباشرة  تظهر على شاشات بلازما مثبتة في قاعدة التحكم التي تقلع منها الطائرات بدون طيار، والتي تقع في وسط الكيان الصهيوني، حيث تتواجد هيئة تنسيق مشتركة من عناصر " الشاباك " وسلاح الجو. وبعدما يدقق عناصر الشاباك في الصور ويتأكدوا من إن الهدف المرشح للتصفية موجودة في بؤرة الاستهداف يطلب من الطاقم المسؤولة عن التحكم في هذا الطائرات إن يصدر تعليماته للطائرة بإطلاق صاروخ أو أكثر على الهدف لتصفيته[19].  وأسهم دخول الطائرات غير المأهولة في تحسين قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات الاغتيال بشكل جذري. لقد كان الجيش الإسرائيلي يستخدم في تنفيذ عمليات الاغتيال من الجو مروحيات الأباتشي أمريكية الصنع، التي كانت تصدر ضجيجاً كبيراً مما كان ينبه عناصر المقاومة المستهدفين لأخذ الحيطة والحذر في كثير من الأحيان لمجرد سماع صوت هذه الطائرات؛ علاوة على إن استخدام هذه الطائرات في عمليات الاغتيال كان دائما يترافق مع إصابات كبيرة في محيط الهدف، وهو ما أدى إلى حملة انتقادات عالمية كبيرة. في حين إن الطائرات بدون طيار لا تصدر ضجيجاً، علاوة على تحليقها على ارتفاعات كبيرة، وفي ذات الوقت تمتاز بدقة إصابة كبيرة، على اعتبار إن ضباط " الشاباك " يتمكنون من تحديد ظروف عملية الاغتيال من خلال الصور التي تبثها الطائرات بدون طيار المكلفة بالاغتيال إلى قواعد التحكم.

     لقد أغرت المزايا المتعددة للطائرات غير المأهولة القائمين على دوائر تطوير الوسائل القتالية لإجراء أبحاث تهدف إلى تطوير هذا النوع من الطائرات لتقوم بكل الوظائف التي تقوم بها الطائرات الحربية النفاثة، من أمثال طائرات " إف 16 " و " إف 15 "، وغيرهما، مع كل ما يعنيه هذا من تحول هائل في مسار عمل سلاح الجو الإسرائيلي. وقد أكد مسؤول كبير في مجمع الصناعات الجوية الإسرائيلية إنه في غضون 40-50 عاماً ستتمكن إسرائيل من انتاج مثل هذه الطائرة، بعد إن تكون قد نجحت في تطوير المنظومات التقنية التي تسمح بذلك[20].

الطائرات المأهولة

    وإلى جانب الطائرات غير المأهولة، فإن هناك طائرات مأهولة توظف لمهام أمنية واستخبارية متعددة، ولكنها غير قتالية، وتحيط إسرائيل هذا النوع من الطائرات بجدار من الكتمان والسرية، على الرغم من إنه قد مضى على استخدامها عقدين من الزمان. وتنتظم هذه الطائرات في سرب أطلق عليه " سرب شمشون ". ويختص هذا السرب في جمع المعلومات الاستخبارية عن أهداف بعيدة تخطط إسرائيل لضربها، علاوة على دوره  الكبير في الحرب النفسية التي تشنها إسرائيل ضد اعدائها، إلى جانب إسهامه في شن الحرب الإلكترونية[21]. وقد تم توظيف هذا السرب في التنصت على شبكات الاتصال التابعة " للعدو "، علاوة على التشويش على دوائر التحكم والمراقبة لدى الجهات التي يخطط الجيش الإسرائيلي لمهاجمتها، أي أنها تقوم بدور أساس في الحرب الإلكترونية ضد الأطراف العربية، كما يوظف في اختراق بث قنوات التلفزة والمحطات الإذاعية للعدو، ويقوم ببث دعاية بالعربية تخدم الأهداف الدعائية لإسرائيل[22]. وقامت طائرات هذا السرب باختراق بث قناة " المنار " التابعة لإيران خلال حرب 2006، إلى جانب اختراق بث قناة " الأقصى "، خلال حرب عام 2008، وقامت ببث مواد تحريضية وتشويه ضد قيادات حركة حماس. ويمتد مجال عمل هذا السرب ليشمل نطاقات جغرافية شاسعة، تمتد من إيران إلى السودان وسوريا، حيث إن الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف المنشأة النووية السورية في ديسمبر 2006 تسنى بعد أن قدم هذا السرب صور دقيقة لهذه المنشأة[23]. ويتكون السرب من طائرات " الجولفاستر " ، التي تشبه من حيث المظهر والشكل الطائرات المدنية الخاصة بمدراء الشركات؛ إلا أنها في المقابل تحتوي على تقنيات تم تطويرها من قبل " الصناعات الجوية الإسرائيلية " ( رفائيل ) خصيصاً لموائمة هذه الطائرات للقيام بعمليات التجسس، والحرب الإلكترونية[24].

الحرب الإلتكرونية:

    أدركت إسرائيل في وقت مبكر الطاقة الكامنة الهائلة في توظيف الفضاء الإلكتروني في جهدها الحربي، وعملت سراً لوحدها وبالتعاون مع الولايات المتحدة في شن الكثير من الهجمات الإلكترونية في محاولتها تحقيق أهداف تكتيكية وإستراتيجية. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي عام 2009 أن الفضاء الإلكتروني بات يمثل إحدى المجالات الاستراتيجية العملياتية. واستناداً إلى ذلك دشن الجيش الإسرائيلي " هيئة الحرب الإلكترونية "، والتي تتبع هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بحيث أن مهمة هذه الهيئة تتمثل في تنسيق وتخطيط العمليات الحربية في الفضاء الإلكتروني، وهي في ذلك تقتفي أثر الولايات المتحدة التي دشنت " هيئة الحرب الإلكترونية "، التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية[25]. وقد أسهم توظيف الفضاء الإلكتروني في الجهد الحربي في إدخال تحولات واضحة على العقيدة القتالية الإسرائيلية، وقد تم التعبير عن هذا التحول بطرح الشعار التالي: " فايروس بدل طائرة " ، والذي يعني أنه يتوجب توظيف الفضاء الإلكتروني  كساحة من ساحات القتال غير التقليدي على حساب الساحات التقليدية، سيما سلاح الجو [26].  

        إن مظاهر توظيف الفضاء الإلكتروني في محاولات إسرائيل تحقيق تحول في بيئتها الإستراتيجية يتمثل في الهجمات التي شنتها إسرائيل عام 2009 ضد البرنامج النووي الإيراني عبر استخدام فيروس "  Stuxnet"[27]. ولم يتردد وزير الحرب الإسرائيلي الحالي موشيه يعلون في الاعتراف بإن إسرائيل هي المسؤولة عن الهجمة الإلكترونية التي تعرضت لها منظومات حواسيب إيرانية حساسة في يونيو 2012، وذلك عبر استخدام فايروس ( Flame  ). في الوقت ذاته، فقد أقدمت إسرائيل على التسلل إلكترونياً إلى منظومات التحكم المسؤولة عن توجيه الدفاعات الجوية السورية عشية الغارة التي نفذتها الطائرات الإسرائيلية على المنشأة النووية السورية بالقرب من " دير الزور "، شمال شرق سوريا في ديسمبر 2006، وأبطلت عمل هذه المنظومات حتى تقلص فرص تعرض الطائرات المغيرة لنيران الدفاعات الجوية السورية[28].  إن إسرائيل التي تولي كل هذا الاهتمام في توظيف الحرب الإلكترونية في جهدها الحربي، تعي إنه من الممكن أن يتم استهدافها في يوم من الأيام بنفس الآليات التي تتبعها في الفضاء الإلكتروني.

     ومن الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى مثال بسيط يوضح حجم الأضرار التي تخشى إسرائيل تكبدها جراء هجوم إلكتروني يستهدف مرافق البنى التحتية لديها، ألا وهي الأضرار الناجمة عن مهاجمة هيئة التحكم المحوسبة التي تشغل نظام الإشارات المرورية فيها. فقد حذر أكثر من مسؤول إسرائيلي إن أي طرف معادي بإمكانه الولوج إلى وحدات التحكم الإلكتروني في نظام الإشارات المرورية يمكنه أن يتسبب في موت مئات الإسرائيليين في دقائق، حيث بإمكان هذا الطرف تغيير إعدادات هذه  الوحدات، بحيث يتم تشغيل الأضواء الخضراء في نظام الإشارات المرورية في الاتجاهات المتعاكسة في الوقت نفسه، مما يعني سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في حوادث طرق مؤكدة[29]. من الواضح إن الأضرار الناجمة عن مهاجمة هيئة التحكم المحوسبة التي تشغل نظام الإشارات المرورية تعتبر بسيطة مقارنة بالأضرار الناجمة عن استهداف مرافق أكثر حيوية. فعلى سبيل المثال تخشى إسرائيل أن تتمكن أطراف " معادية " من الولوج إلى هيئات التحكم المحوسبة في مطار بن غوريون والتسبب في حوادث تصادم بين الطائرات المقلعة أو الهابطة، أو التشويش على النظم التي تتحكم في مستوى ارتفاع الطائرات أثناء اقتلاعها أو طيرانها حتى تصطدم ببعضها البعض، أو جعلها تصطدم بعوائق طبيعية[30]. وبوساطة الآلية ذاتها، بالإمكان المس بشكل جدي بتزويد الإسرائيليين بالكهرباء والماء وخدمات الاتصال المختلفة. وما ينطبق على المرافق المدنية يمكن أن ينطبق على المرافق العسكرية المختلفة التي توجه عبر هيئات تحكم محوسبة، وتحديداً مجمعات الصناعة العسكرية المختلفة. فعلى سبيل المثال تخشى إسرائيل أن يتم التشويش على نظام رقابة وتحكم في مصنع ينتج وسائل قتالية بشكل يؤدي إلى تفجيره، علاوة على التأثير على هيئات التحكم المرتبطة بوسائل الدفاع الجوي لكي تستهدف طائرات عسكرية أو مدنية تعود لإسرائيل نفسها[31]. ويبلغ الفزع الصهيوني من النتائج " الكارثية " لحرب إلكترونية إلى حد الخوف من إمكانية أن تتمكن " الأطراف المعادية " من الوصول إلى النظم المحوسبة التي تشغل مصانع البتركيماويات، والتي يمكن أن تؤدي إلى حدوث تفاعلات غير مرغوب فيها ينتج عنها سحب من الغازات السامة التي تؤدي إلى عدد كبير من القتلى، فضلاً عن الكوارث البيئة التي يمكن أن تنتج عن ذلك.

    ولتلافي سيناريو الرعب الذي تخشاه إسرائيل، والذي تمت الإشارة إليه سابقاً، فقد بلور الكيان الصهيوني إستراتيجية دفاعية شاملة في الفضاء الإلكتروني. ففي 18 مابو 2011 أعن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تدشين ما يعرف بـ " الهيئة القومية لتحصين الفضاء الإلكتروني "، وهدفها الأساس اتخاذ الاستعدادات الدفاعية التي تمكن من حماية الفضاء الإللكتروني وحماية البنى التحتية والمرافق المدنية والعسكرية المرتبطة به[32]. وحسب الإعلان، فإن الهدف من إقامة هذه الهيئة هو توسيع قدرات الدفاع في مواجهة حرب إلكترونية سواء التي تشن من قبل دول، أو منظمات. وتعتبر الهيئة مسؤولة عن جميع الأذرع العسكرية والمدنية المشاركة في هذا الجهد، وتعمل بتنسيق مع " السلطة الرسمية لحماية المعلومات "، التابعة لجهاز المخابرات الداخلية " الشاباك "، وشركة " تهيلا "، التي يوفر خدمة تصفح للوزارات والمؤسسات التابعة لها[33]. إن القائمين على الهيئة يدركون إن التحدي الأبرز أمامهم يتمثل في تصميم منظومة دفاع إلكترونية متكاملة؛ مع العلم إن بلورة مثل هذه المنظومة يتطلب تنسيق وتعاون كامل بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وذلك بخلاف ما يتعلق بالمجال الحربي التقليدي، الذي تنفرد بإدارته المؤسسة الأمنية.

 تنطلق الهيئة الجديدة من افتراض مفاده إن التنسيق والتعاون بين المؤسسات الأمنية والمدنية أمر بالغ الأهمية لأنه من الصعب التمييز والتفريق في الفضاء الإلكتروني بين البنى التحتية العسكرية والمدنية. في الوقت ذاته، فإنه على الرغم من أن المؤسسة الأمنية هي التي توجه الحرب الإلكترونية ضد الأطراف الخارجية، إلا إنها تدرك إن تحسين القدرات الدفاعية يتطلب تعاون وتنسيق مع القطاع الخاص، سيما شركات التقنية المتقدمة، على اعتبار إن لديها قدرات وكفاءات كبيرة في مجال التعامل مع الفضاء الإلكتروني.

لقد وصل الاهتمام بالحرب الإلكترونية في إسرائيل لدرجة إن هناك دعوات داخل المؤسسة الأمنية ولجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست إلى إعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي بلورت في مطلع خمسينات القرن الماضي لكي تتلائم مع الحرب في الفضاء الإلكتروني.

إن إسرائيل تنطلق من افتراض مفاده إنه كلما تعاظمت درجة توظيف التقنيات المتقدمة في تشغيل مرافق البنى التحتية والمؤسسات العسكرية والمدنية الحساسة، كلما زادت فرص انكشافها أمام الهجمات الإلكترونية " المعادية " التي قد لا تؤدي فقط إلى توقف عمل هذه المرافق وتلك المؤسسات مما ينتج عنه شلل الحياة في الكيان الصهيوني؛ بل يمكن أن تؤدي أيضاً إلى سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف المدنيين والعسكريين.

وبخلاف الانطباع السائد في العالم العربي، فإن إسرائيل لا تبدي قلقاً كبيراً إزاء الهجمات التي يشنها قراصنة يفترض إنهم عرب عليها، على اعتبار إن مثل هذه الهجمات لا تشكل في النهاية خطراً إستراتيجياً على الكيان الصهيوني. ويرى عاموس يادلين، والذي شغل في الماضي منصب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، ويشغل الآن منصب رئيس " مركز أبحاث الأمن القومي " التابع لجامعة تل أبيب، إن مجال العمل العسكري والأمني عبر الفضاء الإلكتروني يشمل: الهجوم، الدفاع، التجسس، منوهاً إلى أن مبادرات فردية يقدم عليها أفراد أو جماعات " إرهابية " لا يمكنها إن تؤدي إلى تدمير مؤسسات دولة عبر توظيف الإلكتروني، على اعتبار إن تحقيق هذا الهدف يتطلب إمكانيات دولة[34]. ويرصد يادلين ثلاث مستويات من الهجوم الإلكتروني، التي يمكن أن تتعرض لها إسرائيل عبر الفضاء الإلكتروني: [35]

أولاً: هجمات حجب الخدمة ( DOS )، وهي ذات أثر محدود وضررها يؤول إلى الصفر، مستدركاً إن تأثير هذه الهجمات يمكن أن يكون ذا أثر إستراتيجي في حال استهدف في الوقت ذاته كل المواقع في الدولة.

ثانياً: اختراق منظومات إلكترونية معزولة عن الفضاء الإلكتروني بدون أثر يدلل على المهاجم.

ثالثاً: تنفيذ هجمات ضد شبكات مادية عبر الفضاء الإلكتروني، وهي أخطر الهجمات على الإطلاق، على اعتبار إنها يمكن إن تحدث آثاراً هائلة.

تعزيز للاقتصاد وتوسيع للقاعدة العلمية

لقد احتكر الجيش والمؤسسة الأمنية معظم مجالات تطوير صناعة التقنيات المتقدمة للأغراض العسكرية؛ ومع ذلك، فقد استفادت شركات القطاع الخاص التي تنتج تقنيات متقدمة لأغراض مدنية كثيراً من انجازات الجيش في هذا المجال. ويمكن رصد ثلاث مجالات لإسهام الجيش في تطوير التقنيات المتقدمة للأغراض المدنية:[36]

1- يعتبر القطاع الأمني مصدر مهم وثري للمعرفة التكنلوجية للأغراض المدنية، حيث إن الكثير من شركات التقنية المتقدمة المدنية قامت على تنفيذ تطبيقات تم تطويرها من قبل المؤسسة العسكرية.

2- يعتبر القطاع الأمني مصدر مهم للقوى البشرية الأهم بالنسبة لصناعات التقنيات المتقدمة للأغراض المدنية، حيث إن الباحثين العسكريين من الضباط المسؤولين عن تطوير وتوظيف التطبيقات التي انتجها الجيش في مجال التقنيات المتقدمة يتم استيعابهم في الشركات الخاصة المدنية بعد تسرحهم من الجيش، حيث إن هؤلاء يتمكنون من توظيف التطبيقات التي عملوا عليها خلال خدمتهم العسكرية إلى تطبيقات ذات بعد مدني.

3- زيادة الطلب على التقنيات المتقدمة لأغراض عسكرية، حدا بالجيش إلى تشجيع الجنود والضباط للتوجه للدراسات العليا في العلوم الدقيقة والهندسية، وهذا أدى بدوره إلى توجه المؤسسات الأكاديمية إلى تطوير ذاتها لتلائم الزيادة في الإقبال على فروع المعرفة الجديدة. وهذا أدى إلى تعاظم الاحتياط من العلماء والخبراء في مجال التقنيات المتقدمة.

4- نقل الجيش لشركات التقنيات المتقدمة المدنية ثقافة المبادرة، الحوسبة في إطار موسع، وتشجيع تبني سلوك مؤسسي قائم على ثقافة حل المشاكل وإدارة مشاريع معقدة.

تحسين مكانة إسرائيل الدولية

     لم تخضع إسرائيل منذ البداية تطوير صناعة التقنيات المتقدمة العسكرية،وضمن ذلك توظيف الفضاء الإلكتروني في الجهد الحربي، للاعتبارات الاقتصادية، بل لاعتبارات إستراتيجية صرفة تتعلق بمفهوم الكيان الصهيوني لأمنه " القومي ". من هنا، فإن أحد أهم العوائد الإستراتيجية لصناعة التقنيات المتقدمة العسكرية يكمن في توظيف تصدير هذه التقنيات في بناء تحالفات إستراتيجية وتحسين المكانة الدولية لإسرائيل. وبخلاف الكثير من الدول المنتجة للسلاح، فإن إسرائيل لا تقوم بتصدير السلاح لكل من يطلب، سيما السلاح الذي يعتمد على تقنيات متقدمة. وقد خضعت عملية تصدير السلاح المعتمد على التقنيات المقتدمة للخارج لعدة اعتبارات، أهمها:

1- عدم المس بتفوق إسرائيل النوعي، بمعنى إن إسرائيل تحتفظ بالأجيال الأكثر تقدماً من التقنيات المتقدمة التي تطورها للأغراض العسكرية الأمنية لتوظيفها في جهدها العسكري والاستخباري، خشية إن يتم الكشف عن أسرار هذه التقنيات، وفقدان إسرائيل بالتالي تفوقها النوعي.

2- تبادر إسرائيل لتصدير منظومات السلاح المعتمدة على تقنيات متقدمة إلى دول ترى إن من مصلحتها تعزيز العلاقة معها، إما بغرض الحصول على تعاون استراتيجي واستخباري معها، أو لتأمين دعمها في المحافل الدولية. من هنا فقد حرصت إسرائيل على تصدير منظومات السلاح لدول، مثل: الهند، وأذربيجان وكوريا الجنوبية، الصين، أوروبا والبرازيل.

العوائد الاقتصادية

على الرغم من إن الاعتبار الاقتصادي لم يكن الاعتبار الرائد ضمن سلسلة الاعتبارات التي حكمت صناعة التقنيات المتقدمة للأغراض العسكرية، فإن الكيان الصهيوني تمتع بعوائد مادية ضخمة جراء هذه تصدير منظومات السلاح.  فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من حالة الركود الاقتصادي التي تعم العالم، فإن صادرات إسرائيل العسكرية زادت عام 2012 بنسبة 20%، لتبلغ عوائدها 7 مليار دولار[37]. في حين إن لدى الشركات الإسرائيلية عقوداً بقيمة 18.8 مليار دولار، في حين عدد العاملين فيها بلغ 140 ألف عامل[38]. فعلى سبيل المثال، تعتبر إسرائيل أكبر مصدر للطائرات بدون طيار، حيث إن هذه الصادرات تمثل 10% من الصادرات الأمنية الإسرائيلية، حيث إن إسرائيل باعت خلال السنوات الثمان الماضي طائرات بقيمة 4.6 مليار دولار[39].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] للإطلاع على مبادئ العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أنظر: بيدهتسور، رؤفين، تربوت هبيطحون هيسرائيليت، مكورتيها فشبعتا على هديموكراتيا هيسرائيليت (  ثقافة الأمن الإسرائيلية ومصادرها، وتأثيرها على الديموقراطية الإسرائيلية )، (فصلية " بوبوليتيكا "، عدد 46، مايو، 2002.

 

[2] سوفير، أرنون، " إسرائيل  والديموغرافيا2000-2020"، حيفا،  جامعة حيفا،2003، ص45.

[3] ليشبيش، يعكوف،  هتفكيد هإستراتيجي فهكلكلي شل تعسيوت هبيطحون بيسرائيل (الدور الإستراتيجي والاقتصادي للصناعات العسكرية في إسرائيل )، " مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية "، جامعة بار إيلان، 2011، ص7.

[4] رؤفين بيدهتسور، مرجع سابق.

[5] للإطلاع أكثر على جهود إسرائيل في توظيف التقنيات المتقدمة في تحقيق أكبر أثر ميداني، أنظر: لبيدوت، أهارون، أيخ مفوتسسيم بليلا تيليم بدميسك ( كيف يدمرون صواريخ في دمشق في عتمة الليل )، إسرائيل اليوم، 25-4-2013، http://www.israelhayom.co.il/article/87871

[6] للاطلاع أكثر على طابع هذه العمليات، أنظر: بيركو، رؤفين، حشيفوتام شل مفتسعيم بلي حتيما ( أهمية العمليات بدون توقيع "، إسرائيل اليوم، 29-10-2012، http://www.israelhayom.co.il/site/newsletter_opinion.php?id=9883&hp=1&newsletter=29.10.2012

[7] رؤفين بيدهتسور، مرجع سابق،ص35.

[8] ليشبيش، يعكوف،مرجع سابق، ص9.

[9] ليشبيش، يعكوف،مرجع سابق، ص11.

[10] المرجع السابق، ص14.

[11] المرجع السابق،ص14.

[12] تيشلير، أوشير، سافي، يوعاد، همفني هأوبتيمالي شل تعسييت هببيطحون بيسرائيل، مشمعيوت فهشلاخوت ( المبنى الأفضل لصناعة الأمن في إسرائيل، دلالات وتداعيات )، " مركز يافا للدراسات الإستراتيجية "، جامعة تل أبيب، ديسمبر 2005، ص13.

[13] على سبيل المثال، نظراً لإن أحد الخيارات المطروحة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني هو توجيه ضربة عسكرية لها، ونظراً لأن الإيرانيين حرصوا على تدشين منشآتهم النووية في عمق الأرض، فإن الصناعات الحربية الإسرائيلية تحرص على تطوير قنابل ذكية قادرة على اختراق الحصون، مع العلم إن الإسرائيليين حصلوا بالفعل على قنابل من الولايات المتحدة، حيث إن عمليات التطوير التي تجرى تهدف إلى انتاج قنابل ذات قدرة أكبر على اختراق الحصون. أنظر:

[14] فعلى سبيل المثال، على الرغم من إن إسرائيل شرعت في توظيف الطائرات بدون طيار في عمليات الاغتيال التي استهدفت قادة ونشطاء المقاومة الفلسطينية منذ العام 2002، إلا إن الفلسطينيين لم يتيقنوا من توظيف هذا النوع من أدوات الاغتيال، إلا خلال عام 2004، بعدما تواترت الأدلة على الفروق بين بين عوامل الاغتيال التي تتم عبر الطائرات غير المأهولة وبين عمليات الاغتيال التي كانت تتم عبر استخدام مروحيات " الأباتشي " أمريكية الصنع.

[15] موقع القسم المسؤول عن انتاج الطائرات غير المأهولة في موقع مجمع الصناعات الجوية الإسرائيلية، http://www.iai.co.il/17800-he/Groups.aspx

[16] شلومو، دومب، ملاطيم فملحموت ( الطائرات غير المأهولة والحروب )، يديعوت أحرنوت، 24-7-2011.

[17] المرجع السابق.

[18] عمير ربابورت، موخانت هحيسوليم ( ماكنة الاغتيالات )، معاريف، 29-6-2008.

[19] شلومو دومب، مرجع سابق.

[20] موقع وكالة " معاً " المستقلة، 13-4-2013، http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=588045

[21] زيتان، يوآف، مفكيد تييست هبيون: هيتا لانو شنا مجوفينت مئود ( قائد سرب التجسس: كانت لها سنة ناجحة جداً "، موقع واي نت، http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4322418,00.html

[22] المرجع السابق.

[23] المرجع السابق.

[24] المرجع السابق.

[25] أيفن، شلومو، سيمانطوف، دفيد، لوحماه بمرحاف هكبرنيتي، موساغيم، مجموت، مشمعيوت لإسرائيل ( القتال في الفضاء الإلكتروني، مفاهيم، اتجاهات، ودلالات بالنسبة لإسرائيل )، مركز أبحاث الأمن القومي، جامعة تل أبيب، يونيو 2011، ص13.

[26] جرينبرغ، حنان، فيروس بمكوم متوس ( فايروس بدل الطائرة ) معاريف، 11-11-2011، http://www.nrg.co.il/online/1/ART2/305/039.html?hp=1&cat=479&loc=8

[27] أيفن، شلومو، سيماطوف، دفيد، مرجع سابق،18.

[28] المرجع السابق، ص22.

[29] أيفن، شلومو، سيمانطوف، دفيد، مرجع سابق،ص43.

[30] المرجع السابق.

[31] المرجع السابق.

[32] لوفوبيتش، أمير، لوحماه كبرنتيت فهرتعا: مجموت فإتجاريم ( الحرب الإلكترونية والردع: اتجاهات وتحديات )، دورية تسفا فإستراتيجيا، مركز أبحاث الأمن القومي، جامعة تل أبيب، ديسمبر 2011، ص42

[33] المرجع السابق،ص44.

[34] هتوني،يوسي، الجنرال عاموس يادلين: هتروريستيم مهمعرا فهإنرخيستيم مهمرتيف لو يخوليم لشميد مدينوت بسايبر ( الإرهابيون من المغارة والفوضيين من الصالون ليس بإمكانهم تدمير دول عبر الفضاء الإلكتروني "، موقع أنشيم فمحشفيم ( الناس والحاسوب )، 5-9-2012، http://www.pc.co.il/?p=97391

[35]  المرجع السابق.

[36] ليشبيش، يعكوف، مرجع سابق،ص52.

[37] هارئيل،عاموس، هيتسو هبيطحوني شل يسرائيل مزنيك ( الصادرات الأمنية الإسرائيلية ترتفع )،  هارتس ،19-3-2013، http://www.haaretz.co.il/news/politics/1.1904317

[38] انظر: http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=82461

[39] أنظر الرابط: http://www.alquds.co.uk/?p=45537May 19, 2013